الثلاثاء، 12 أبريل 2011

ثنائية اليسار و اليمين

gauche droiteثنائية اليسار و اليمين
تحرير : خالد كلبوسي
تعود ثنائية 
gauche droite
إلى تراث الثورة الفرنسية عندما اجتمع أعضاء المجلس الشعبي في شهري أوت و سبتمبر من سنة 1789لختاروا النظام السياسي الملائم للثورة حيث اصطف المناوئون لسلطة الملك على يسار رئيس المجلس الشعبي بينما اصطف الموالون للنظام الملكي على يمين رئيس المجلس,و قد انتشرت التسمية فيما بعد في أنحاء عدة من أوروبا و بريطانيا و أمريكا .
أما في تونس فنستعمل كلمة اليسار أكثر من كلمة اليمين و يشير اللفظ الأول إلى المجموعات السياسية التي تتخذ من الإيديولوجيا الاشتراكية أرضية فكرية,لكن هناك اختلافات بين هذه المجموعات .و بالمقابل يبدو أن لفظ اليمين يشير إلى المجموعات التي تتخذ من الليبيرالية مرجعيتها.غير أن الأمر ليس كذلك ,فقد استعمل اليسار في المعنى الذي أشرنا إليه سابقا بينما استعمل مقابل ذلك الإسلاميون و ليس اليمين,وهو أمر يحول دون فهم طبيعة الصراعات القائمة.فالصراع الأساسي كما بينت ثورة 14 جانفي في تونس هو صراع بين الشعب و الدكتاتورية على المستوى السياسي , أما على الصعيد الاقتصادي فالصراع حاصل بين الأجراء والمعطلين عن العمل من ناحية و المشغلين من ناحية أخرى.
إن التحولات التي تعيشها تونس و الدول العربية تستدعي فكرا جديدا يستعين بالتراث الفكري السابق دون أن يكون سحين حدوده الضيقة,وهو أمر يبدو أن المجموعات السياسية في تونس بدأت تتحسسه للتو و سيتطلب الأمر بعض الوقت لتحقيق توافق في استعمال المصطلحات.
بقي أن أشير إلى أمر هام مرتبط بالسياق :إن الشعوب الثائرة تخلق رموزها كما تخلق أفكارها,لذلك من المهم تجذير الفكر التقدمي في تراث الشعوب إلى الحد الذي تصل فيه إلى خلق رموزها و مفاهيمها الخاصة بها و ذات البعد الكوني في نفس الوقت,لا أن نكتفي بمجرد نقل مفهوم أو رمز نقلا حرفيا من سياق تاريخي و حضاري إلى آخر دون الانتباه إلى ما يمكن أن يحدثه ذلك من صد و مقاومة تستغله القوى المعادية في صراعاتها الإيديولوحية.

الجمعة، 25 مارس 2011

العلمانية (بفتح العين) و العلمانية (بكسرالعين) و اللائكية

 فالعَلمانية (بفتح العين) يقابلها في اللسان الفرنسي sécularisme والعلمانية (بكسر العين) scientisme واللائكية Laïcité.
أما العَلمانية (بفتح العين) فتعود إلى أصلٍ هو العَالم (بفتح اللام) الدنيوي، ومنها العلمنة sécularisation من علمن séculariser ذي الجذر اللاتيني بمعنى siècle (قرن) إذن دلالة الزمان الواقعي، والحياة الوضعية. وتتفق العَلمانية (بفتح العين) والعِلمانية (بكسر العين) في الوقوف على أرضية التطور العلمي والترقي الذهني للإنسان، وإذا كانت الأولى مفهوما قديما عريقا على صلة بالمنازع الفلسفية المادية وبمسار السيطرة على الطبيعة واكتشاف قوانينها وتسخيرها لخدمة البشر، فإن الثانية لم تزدها إلا رسوخا بما تحقق للعلوم من فتوح متتالية قلصت سلطان الجهل وأتاحت إحاطة أكبر بظواهر الكون وفهما أعمق للأديان وعقلية أوسع لإدارة شؤون الاجتماع البشري.
وتعود اللائكية إلى الأصل اللاتيني "لايكوس" laikos بمعنى ما هو من مشمولات أنظار الشعب لا أنظار رجال الدين (الإكليروس) وما هو مستقل عن الهيئات الدينية (دولة لائكية، قضاء لائكي، تعليم لائكي... أي منظم وفق قواعد اللائكية وقيمها مع وجوب ملازمة الحياد على الصعيد العقيدي).
وحسب ما انتهى إليه الباحث فتحي القاسمي في أطروحته "العَلمانية وطلائعها في مصر" فإن اللائكية تجسم الجانب العملي والسياسي للعلمانية" وأنها "أصبحت في القرن التاسع عشر تيارا فكريا قويا وموجة ذهنية نشيطة استقطبت الاهتمام وأصبحت لها نواديها ومؤلفوها المدافعون عنها" (ص35)ـ....

وما من شك في أن المشهد الدامي لما يحدث في العراق وفلسطين، وبلدان عربية وإسلامية أخرى، من تناحر طائفي وقتل على الشبهة المذهبية وتقتيل بالجملة لأبناء هذه الطائفة أو تلك سواء داخل مواطن تعبّدها أو مواطن تواجدها في الحياة العامة، هو الذي كان له دور كبير في العودة بموضوع الحل العلماني، إلى الواجهة، وفي اعتباره، عند عدد متزايد من أهل النظر، الأفــق الوحيد ما دام ينبني على الفصل بين الشأن المعتقدي، وهو فردي وخاص، والشأن السياسي، وهو مجتمعي وعام، وما دام بالتالي كفيلا بوضع حد للاقتتال الطائفي ولمصادرة أبسط الحريات واستعباد الأرواح فضلا عن الأبدان. فبلاد كالعراق أو فلسطين أو سوريا أو السودان أو لبنان، أو غيرها من بلاد الشرق والغرب، لا يستوي أمرها إلا بإقرار العلمانية في تنظيم العلاقة بين الدين والدولة، ما دامت بلادا متعددة الأديان والعقائد والطوائف، لا يجوز لطرف واحد أن يبسط نفوذه ويفرض سلطانه على بقية الضمائر بالقوة المولدة للانفجار، وحمامات الدم. بل إن عدم الإذعان للحل العلماني على الواجهة الفلسطينية، مثلا، كان سببا حتى الآن في تشتيت الصف السياسي والتنظيمي للحركة الوطنية الفلسطينية وشرذمتها إلى رايات مذهبية وطائفية متعددة تعمل كل منها لحسابها الخاص، وتأبى التنازل عن نرجسيتها الفصائلية لحساب الحركة، بما أضعف مردود المقاومة ووفر على المحتل متاعب جمة. لكن ولئن كان في موروث الدولة العربية والإسلامية عناصر علمانية هي التي شكلت قاعدة للخلق والإبداع والتطور الحضاري فإن مهمة إرساء النظام العلماني اليوم، باعتباره حجر زاوية في الدولة الديمقراطية الحديثة، لا نراها منتظرة من أنظمة الاستبداد والفساد والعمالة القائمة حاليا، ولذا فإن استكمال هذه المهمة التاريخية مرتبط بالتحولات الديمقراطية الوطنية التي على قوى التغيير الحقيقي أن تنجزها والتي نعيش مخاضها العسير راهنا. وليس معنى ذلك أن على هذه القوى انتظار تلك الساعة الفاصلة وتعليق تحركاتها، بل المطروح هو العمل الدؤوب والنضال اليومي من أجل تقريب تلك الساعة ومراكمة المكاسب مهما كانت جزئية وعدم الاستسلام لتيار الردة.
لكن ذلك لا يكفي لكي يجعل من العلمانية قناعة واسعة النفوذ في المجتمع خصوصا أمام مساعــي التشويه التي ما انفك شيوخ التكفير يلحقونه بها، وأمام الأحكام المسبقة ذات الخلفية التكفيرية التي زرعتها الدولة القائمة عبر المؤسسة الدينية وعلى منابر المساجد والجوامع، وعبر المؤسسة التربوية والتعليمية والثقافية والقيم السائدة ذات الحمولة الإقطاعية والعبودية في جانب كبير منه
عن صحيفة البديل ـ بتصرف ـ ماي 2008